فصل: تفسير الآيات (33- 36):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارك التنزيل وحقائق التأويل بـ «تفسير النسفي» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (9- 12):

{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)}
{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان} هو للجنس {مِنَّا رَحْمَةً} نعمة من صحة وأمن وجدة. واللام في {لئن} لتوطئة القسم {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ} ثم سلبناه تلك النعمة وجواب القسم {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ} شديد اليأس من أن يعود إلى مثل تلك النعمة المسلوبة قاطع رجاءه من سعة فضل الله من غير صبر ولا تسليم لقضائه {كَفُورٌ} عظيم الكفران لما سلف له من التقلب في نعمة الله نسّاء له {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} وسعنا عليه النعمة بعد الفقر الذي ناله {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي} أي المصائب التي ساءتني {إِنَّهُ لَفَرِحٌ} أشر بطر {فَخُورٌ} على الناس بما أذاقه الله من نعمائه قد شغله الفرح والفخر عن الشكر {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} في المحنة والبلاء {وَعَمِلُواْ الصالحات} وشكروا في النعمة والرخاء {أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} يعني الجنة كانوا يقترحون عليه آيات تعنتا لا استرشاداً لأنهم لو كانوا مسترشدين لكانت آية واحدة مما جاء به كافية في رشادهم. ومن اقتراحاتهم {لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك} [الفرقان: 7] وكانوا لا يعتدون بالقرآن ويتهاونون به فكان يضيق صدر رسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكون منه فهيجه لأداء الرسالة وطرح المبالاة بردهم واستهزائهم واقتراحهم بقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ} أي لعلك تترك أن تلقيه إليهم وتبلغه إياهم مخافة ردهم له وتهاونهم به {وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} بأن تتلوه عليهم ولم يقل ضيق ليدل على أنه ضيق عارض غير ثابت لأنه عليه السلام كان أفسح الناس صدراً ولأنه أشكل ب {تارك} {أَن يَقُولُواْ} مخافة أن يقولوا {لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ} هلا أنزل عليه ما اقترحنا من الكنز لننفقه والملائكة لنصدقه ولم أنزل عليه ما لا نريده ولا نقترحه {إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ} أي ليس عليك إلا أن تنذرهم بما أوحي إليك وتبلغهم ما أمرت بتبليغه، ولا عليك أن ردوا أو تهاونوا {والله على كُلّ شَئ وَكِيلٌ} يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل، فتوكل عليه وكل أمرك إليه وعليك بتبليغ الوحي بقلب فسيح وصدر منشرح غير ملتفت إلى استكبارهم ولا مبال بسفههم واستهزائهم.

.تفسير الآيات (13- 14):

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}
{أَمْ يَقُولُونَ} {أم} منقطعة {افتراه} الضمير لما يوحى إليك {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ} تحداهم أولا بعشر سور ثم بسورة واحدة كما يقول المخابر في الخط لصاحبه: اكتب عشر أسطر نحو ما أكتب فإذا تبين له العجز عن ذلك قال: اقتصرت منك على سطر واحد {مّثْلِهِ} في الحسن والجزالة. ومعنى {مثله} أمثاله ذهاباً إلى مماثلة كل واحدة منها له {مُفْتَرَيَاتٍ} صفة ل {عشر سور}. لما قالوا افتريت القرآن واختلقته من عندك وليس من عند الله، أرضى معهم العنان وقال: هبوا أني اختلقته من عند نفسي فأتوا أنتم أيضاً بكلام مثله مختلق من عند أنفسكم فأنتم عرب فصحاء مثلي {وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله} إلى المعاونة على المعارضة {إِن كُنتُمْ صادقين} أنه مفترى {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} أي أنزل ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز للخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه واعلموا عند ذلك أن لا إله إلا الله وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم، وإنما جمع الخطاب بعد إفراده وهو قوله {لكم فاعلموا} بعد قوله {قل} لأن الجمع لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يحدثونهم أو لأن الخطاب للمشركين. والضمير في {فإن لم يستجيبوا} لمن استطعتم أي فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على المعارضة لعلمهم بالعجز عنه فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي بإذنه أو بأمره {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} متبعون للإسلام بعد هذه الحجة القاطعة. ومن جعل الخطاب للمسلمين فمعناه فاثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقيناً على أنه منزل من عند الله وعلى التوحيد فهل أنتم مسلمون مخلصون.

.تفسير الآيات (15- 21):

{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)}
{مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} نوصل إليهم أجور أعمالهم وافيه كاملة من غير بخس في الدنيا، وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرزق، وهم الكفار أو المنافقون {أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ في الأخرة إِلاَّ النار وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا} وحبط في الآخرة ما صنعوه أو صنيعهم أي لم يكن لهم ثواب لأنهم لم يزيدوا به الآخرة إنما أرادوا به الدنيا وقد وفى إليهم ما أرادوا {وباطل مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي كان عملهم في نفسه باطلاً لأنه لم يعمل لغرض صحيح والعمل الباطل لا ثواب له {أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أمن كان يريد الحياة الدنيا كما كان على بينة من ربه أي لا يعقبونهم في المنزلة ولا يقاربونهم يعني أن بين الفريقين تبايناً بينا وأراد بهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره كان على بينة من ربه أي على برهان من الله وبيان أن دين الإسلام وهو دليل العقل {وَيَتْلُوهُ} ويتبع ذلك البرهان {شَاهِدٌ} يشهد بصحته وهو القرآن {مِنْهُ} من الله أو من القرآن فقد مر ذكره آنفاً {وَمِن قَبْلِهِ} ومن قبل القرآن {كِتَابُ موسى} وهو التوراة أي ويتلو ذلك البرهان أيضاً من قبل القرآن كتاب موسى عليه السلام {إِمَاماً} كتاباً مؤتماً به في الدين قدوة فيه {وَرَحْمَةً} ونعمة عظيمة على المنزل إليهم وهما حالان {أولئك} أي من كان على بينة {يُؤْمِنُونَ بِهِ} بالقرآن {وَمن يَكْفُرْ بِهِ} بالقرآن {مّن الأحزاب} يعني أهل مكة ومن ضامهم من المتحزبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم {فالنار مَوْعِدُهُ} مصيره ومورده {فَلاَ تَكُ في مِرْيَةٍ} شك {مِنْهُ} من القرآن أو من الموعد {إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ} يحبسون في الموقف وتعرض أعمالهم {وَيَقُولُ الأشهاد هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ} ويشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذابون على الله بأنه اتخذ ولداً وشريكاً {أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين} الكاذبين على ربهم والأشهاد جمع شاهد كأصحاب وصاحب أو شهيد كشريف وأشراف {الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} يصرفون الناس عن دينه {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد {وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون} {هم} الثانية لتأكيد كفرهم بالآخرة واختصاصهم به {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ} أي ما كانوا {مُعْجِزِينَ في الأرض} بمعجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء} من يتولاهم فينصرهم منه ويمنعهم من عقابه ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم وهو من كلام الأشهاد {يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب} لأنهم أضلوا الناس عن دين الله يضعّف مكي وشامي {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع} أي استماع الحق {وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} الحق {أُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} حيث اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله {وَضَلَّ عَنْهُم} وبطل عنهم وضاع ما اشتروه وهو {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتها.

.تفسير الآيات (22- 27):

{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)}
{لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ في الأخرة هُمُ الأخسرون} بالصد والصدود وفي لا جرم أقوال أحدها أن لا رد لكلام سابق أي ليس الأمر كما زعموا ومعنى {جرم} كسب وفاعله مضمر و{أنهم في الآخرة} في محل النصب والتقدير كسب قولهم خسرانهم في الآخرة وثانيها أن {لا جرم} كلمتان ركبتا فصار معناهما حقاً و{أن} في موضع رفع بأنه فاعل لحق أي حق خسرانهم، وثالثها أن معناه لا محالة. {إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ} واطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخشوع والتواضع من الخبت وهي الأرض المطمئنة {أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون} {مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} شبه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وفريق المؤمنين بالبصير والسميع {هَلْ يَسْتَوِيَانِ} يعني الفريقين {مَثَلاً} تشبيها وهو نصب على التمييز {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} فتنتفعون بضرب المثل.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبساً بهذا الكلام وهو قوله {إني لكم نذير مبين} بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في {كأن} والمعنى على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} أن مفسرة متعلقة ب {أرسلنا} أو ب {نذير} {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه {فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} يريد الأشراف لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكاً أو ملكاً {وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} أخساؤنا جمع الأرذل {بَادِىَ} وبالهمزة: أبو عمرو {الرأى} وبغير همز: أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي، أو أول الرأي من بدا يبدو إذا أظهر أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولاً، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم أو أول رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، أرادوا أن اتباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك. وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمّين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحداً من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه {وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} في مال ورأي يعنون نوحاً وأتباعه {بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين} أي نوحاً في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيباً للرياسة.

.تفسير الآية رقم (28):

{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)}
{قَالَ يَا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ} أخبروني {إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ} برهان {مّن رَّبّى} وشاهد منه يشهد بصحة دعواي {وآتني رحمةً من عنده} يعني النبوة {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ}-أي خفيت. {فعميت}: حمزة وعلي وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي الرحمة {وَأَنتُمْ لَهَا كارهون} لا تريدونها، والواو دخلت هنا تتمة للميم. وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكوناً وهو لحن، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.

.تفسير الآيات (29- 32):

{وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)}
{وياقوم لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} على تبليغ الرسالة لأنه مدلول قوله {إني لكم نذير} {مَالاً} أجراً يثقل عليكم إن أديتم أو عليّ أن أبيتم {إِنْ أَجْرِىَ} مدني وشامي وأبو عمرو وحفص {إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنو} جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أنفة من المجالسة معهم {أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ} فيشكونني إليه إن طردتهم {ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، أو تجهلون لقاء ربكم أو أنهم خير منكم {وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله} من يمنعني من انتقامه {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتعظون {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله} فأدعي فضلاً عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم {وما نرى لكم علينا من فضل} {وَلا أَعْلَمُ الغيب} حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على {عندي خزائن الله} أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ} حتى تقولوا إلى {ما أنت إلا بشر مثلنا} {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم {لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} في الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولاً على هواكم {الله أَعْلَمُ بِمَا في أَنفُسِهِمْ} من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم {إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين} إن قلت شيئاً من ذلك. والازدراء افتعال من زرى عليه إذا عابه وأصله تزتري فأبدلت التاء دالاً.
{قَالُواْ يَا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا} خاصمتنا {فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا} من العذاب {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} في وعدك.

.تفسير الآيات (33- 36):

{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}
{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء} أي ليس الإتيان بالعذاب إليّ وإنما هو إلى من كفرتم به {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} أي لم تقدروا على الهرب منه {وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى} هو إعلام موضع الغي ليتقي والرشد ليقتفي {ولكني} {إني} {نصحَي} مدني وأبو عمرو {إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} أي يضلكم وهذا شرط دخل على شرط فيكون الثاني مقدماً في الحكم لما عرف. تقديره: إن كان الله يريد أن يغويكم لا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، وهو دليل بين لنا في إرادة المعاصي {هُوَ رَبُّكُمْ} فيتصرف فيكم على قضية إرادته {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيجازيكم على أعمالكم {أَمْ يَقُولُونَ افتراه} بل أيقولون افتراه {قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَىَّ إِجْرَامِى} أي إن صح أني افتريته فعلي عقوبة إجرامي أي افترائي يقال أجرم الرجل إذا أذنب {وَأَنَاْ بَرِئ} أي ولم يثبت ذلك وأنا بريء منه. ومعنى {مّمَّا تُجْرَمُونَ} من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي فلا وجه لإعراضكم ومعاداتكم.
{وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَم يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ}
إقناط من إيمانهم وأنه غير متوقع، وفيه دليل على أن للإيمان حكم التجدد كأنه قال: إن الذي آمن يؤمن في حادث الوقت، وعلى ذلك يخرج الزيادة التي ذكرت في الإيمان بالقرآن {فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فلا تحزن حزن بائس مستكين والابتئاس افتعال من البؤس وهو الحزن والفقر، والمعنى فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك فقد حان وقت الانتقام من أعدائك.